عماد الدين خليل
81
دراسة في السيرة
إليه ، من أجل مزيد من السرية والكتمان : الزوجة والصديق وابن الأخ والابن ( المتبنّى ) . . ثم انطلق بعد ذلك في توسيع نطاق الدعوة ، يعضده ساعده الأيمن أبو بكر الصديق ( رضي اللّه عنه ) . . وما لبثت اللبنات أن ازدادت عددا ، والبناء ارتفاعا ، والأسس عمقا ورسوخا . . استمر العمل السرّي ثلاث أو أربع سنوات ، على خلاف في الروايات ، والدعوة خلاله تسير ببطء شديد ، رغبة في التركيز والاختيار البصير بالعناصر الأكثر جدارة وكفاءة ومقدرة على تحمل مسؤولية الإيمان . . وكان القرآن الكريم يتنزل خلال ذلك مؤكّدا على قضية واحدة وأمر واحد ، لم يتجاوزه إلى ( المسائل ) الآخرى إلا قليلا ، تلك هي قضية ( العقيدة ) التي راح القرآن يحبك ، بأسلوبه المعجز وآياته البينات ، جوانبها الشاملة وبناءها المتشابك في نفوس أتباعه وعقولهم وضمائرهم ، ويحيلهم واحدا بعد آخر ، ويوما بعد يوم ، إلى شخوص حيّة تتحرك بالقرآن ، فتكون حركتها تعبيرا حيويا واقعيا عن التصور الجديد الذي طرحه القرآن ، والذي جاء لينعكس بالضرورة على السلوك اليومي للإنسان المسلم . . وكلما تقدم الزمن بالدعوة الإسلامية وتنزلت الآيات البينات لبناء العقيدة ، كلما نمت قواعد الدعوة الإسلامية وازدادت ( تمثلا ) لهذه الآيات ، الأمر الذي جعلها تنمو بشكل مواز تماما لنمو البناء العقيدي الذي يطرحه القرآن ذاته لكي يحرك به ( واقع ) النفس البشرية ويتعامل معها تعاملا حركيا يرفض منطق الجدل واللاهوت والنظريات . ولقد مرت هذه السنون الطويلة من مرحلة العمل السرّي ولم يتجاوز عدد الدعاة خلالها - كما رأينا - الخمسين رجلا وامرأة ، وهو عدد قليل جدا إذا ما قورن بهذا الامتداد الزمني الطويل . إلا أن التركيز والعمق الذي تميز به كل واحد من هؤلاء ، جعل المنتمين إلى الإسلام قادرين ، بعد قليل ، على تحمل الضغوط الوثنية القاسية التي ستصبّ عليهم من أجل فتنتهم عن دينهم : تعذيبا واضطهادا وقتلا ونفيا وسخرية وقطيعة واحتقارا . . وعلى تجاوز ( المحنة ) السوداء وهم أصلب عودا وأعمق ثقة وأشد إيمانا . . وفي جوارهم آيات القرآن تشد أزرهم وتعمق يقينهم الجديد . . والرسول صلى اللّه عليه وسلم يقودهم من ساحة إلى ساحة صوب مشارف الفوز والانتصار . ولا ريب أن اعتماد ( المقاييس المادية ) - كما فعل عدد من المستشرقين أمثال كريمر وجرمه وغيرهما - لفحص الدوافع التي قادت المسلمين وغير